الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

470

المنقذ من التقليد

الفصاحة ذلك المقدار وأجرى العادة فيهم بذلك ولم يؤتهم أكثر منها ، صار نفي ، إعطائه إيّاهم الفصاحة الزائدة على فصاحتهم بكثير كعادة جارية فيهم ، فإذا أظهر على النبيّ من الكلام الفصيح ما ازداد فصاحته على فصاحتهم بكثير ، إمّا بأن أنزله عليهم أو بأن مكنه من إنشائه كان ذلك خرقا لتلك العادة الراجعة إلى النفي حذو النعل بالنعل والقذة بالقذّة . وإن قال قائل : إن طفر البحر أو نقل الجبل إنّما يكون خرقا للعادة من حيث أنّ اللّه تعالى أجرى العادة في الناس ، بأن يمكنهم من طفر الجداول المعهودة ونقل الأثقال المعلومة على ما بينهم ، من التفاوت القريب والتفاضل القليل . فإذا مكّن واحدا من طفر البحر أو نقل الجبل أو خلق فيه ذلك الطفر أو النقل ، كان ذلك فوق طاقتهم بمقدار كثير ، وزائدا على ما يتمكّنون بشيء عظيم ، أو خارجا عمّا جرت العادة به فيهم بزيادات تكاد لا تنضبط ، فيكون خارقا لعادتهم الراجعة إلى الاثبات ، إذ « 1 » هذا هو المراد بخرق العادة ، أمكن أن يقال مثله في خرق القرآن بفصاحته العادة بأن يقال : لمّا آتى اللّه العرب من الفصاحة المقدار المعلوم على ما كان بينهم من التفاوت القليل ، ثمّ أظهر على النبي من الكلام الفصيح الذي هو القرآن ما ازدادت فصاحته على فصاحتهم بشيء عظيم ، بحيث لم يتمكنوا من مثله وممّا يقاربه ، ومن مثل بعضه وما يقاربه ، كان ذلك خارجا عمّا جرت به العادة فيهم ، فكان خارقا لعادتهم الراجعة إلى الاثبات ، كما قاله في طفر البحر ونقل الجبل بلا فرق فثبت أنّ هذا القدح غير مؤثر في مذهب أصحاب الفصاحة . وأمّا من قال : جهة إعجاز القرآن النظم دون الفصاحة فقوله باطل ، بما قد بيّنا أنّ ذلك ممّا لا يقع فيه التفاضل بمجرى العادة ، فانّ السبق إلى مثل ذلك

--> ( 1 ) كذا ، والظاهر : إذا كان هذا .